بقلم أ. جورج ناصيف
هل من مبرر سياسي جدي لبقاء تكتلي 8 و14 آذار في الحقبة التي بدأ يدخلها لبنان، إقليميا وداخليا؟
اين صارت الحدود الفاصلة برنامجيا بين التوجهين السياسيين اللذين شطرا البلاد منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟ وماذا يصلح من برنامجيهما لاحقا؟
عندما نشأت 8 آذار، وفي المرحلة اللاحقة عليها، كانت ترفع شعارات الامتناع عن أي ادانة لمرحلة الوصاية السورية (بل امتداح دور النظام السوري وقواته في تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي) ورفض اي بحث في مستقبل سلاح “حزب الله” داخل اي اطار، وعدم ابداء الحماسة لقيام المحكمة الدولية (بل السعي الى اعاقة قيامها ما امكن).
اما حركة 14 آذار التي رفعت الشعار المثلث (حرية، سيادة، استقلال) فقد وضعت مهمة اخراج الجيش السوري ومخابراته في سلم اولوياتها، فضلا عن تشكيل المحكمة الدولية، ودعت الى اعادة النظر في العلاقة اللبنانية – السورية لجهة اخراج لبنان من دائرة التبعية، وحصر السلاح في يد الشرعية اللبنانية مع ما ينطوي عليه من نزع سلاح “حزب الله”، (عنوة ان امكن، والا رضائيا) وابداء الحمية للاندفاعة الاميركية – الاوروبية لمواجهة سوريا وايران ومحاصرتهما دوليا وعربيا، والاتكاء الى محور عربي مناهض لسوريا، بقطع النظر عن توجهاته الايديولوجية او ممارساته داخل بلاده.
فماذا بقي من كل هذه العناوين، لدى الطرفين المتقابلين؟
- العلاقات اللبنانية – السورية بدأت تسلك طريقها الى التطبيع الهادئ التدريجي مع انتخاب الرئيس ميشال سليمان، وتبادل التمثيل الديبلوماسي بين البلدين بات مسألة وقت، والحكم السوري غادر، وان مضطرا، نهج الاملاء (مع الاحتفاظ بوزن حلفائه اللبنانيين) وبات مضطرا الى احترام استقلال لبنان وخصوصيته في سياسته الداخلية والخارجية كشرط من شروط قبوله داخل الشرعية الدولية، واستمرار الانفتاح الاوروبي عليه.
- المحكمة الدولية خرجت من القرار اللبناني، وباتت حركتها محكومة بايقاع مجلس الامن، ابطاء او تسريعا في التفاصيل العملانية.
- سلاح “حزب الله” لم يعد محظورا البحث في مستقبله، على طاولة الحوار الداخلي، وفي اطار سياسة دفاعية عامة، واعلان الرئيس السوري بشار الاسد انه لن يكون هناك داع لحمل السلاح بعد تحقيق السلام الشرق اوسطي، مؤشر كبير على طبيعة المرحلة الآتية التي يدرك “حزب الله” قواعدها الجديدة.
- الاندفاعة الغربية في معاداة سوريا واحكام عزلتها تبدلت، بعد التبدل الفرنسي الجذري، واتجاه واشنطن الى سياسة ملاينة الحكم السوري والتواصل معه، خصوصا مع المفاوضات السورية – الاسرائيلية التي تتقدم بثبات.
بعد اتفاق الدوحة، وتوجهات خطاب القسم الرئاسي، نشأت وقائع ومعطيات سياسية جديدة، اقليميا وداخليا، تدفع في اتجاه ايجاد خطاب جديد واهداف جديدة، لدى كلا الطرفين اللذين قبضا على الحياة السياسية اللبنانية، مثلما تدفع نحو ايجاد كتلة وسطية ذات برنامج هو خطاب القسم، بعناوينه العريضة، وبما يتجاوز النظرة الوحيدة الجانب التي اتسمت بها برامج الافرقاء السياسيين.
ان وسطية اي تكتل سياسي جديد اليوم ستختلف عن الوسطية السابقة (تجربة الرئيس سليم الحص مثالا) التي كانت تترجح بين الميل الى تبني اساسيات برنامج 8 آذار، والوعظية الاخلاقية التي تفتقد ترجمتها السياسية.
هل لهذه الوسطية المنشودة قوى شعبية تحملها؟
نعم. فكثيرون، سياسيين ومثقفين ومواطنين، لم يعودوا يجدون انفسهم في التكتلين السابقين، لاعتراضهم على جوانب عديدة من التوجه السياسي والممارسة الميدانية لكليهما.
هل هناك رمز لهذا الدور المطلوب؟
نعم، رئيس الجمهورية، اذا شاء ان يشغل مساحة سياسية حقيقية، ولا يتكئ الى الجيش والمؤسسات الامنية باعتبارها ذراعه الوحيدة، مكررا التجربة الشهابية.
العماد ميشال عون اطلق “المؤتمر المسيحي الوطني” برموز لا توحي الجدة، برنامجا او اشخاصا.
فهل نكون امام “مؤتمر وطني” يطلقه رئيس الجمهورية؟





