يتميز لبنان بعلاقاته الوطيدة و الأخوية مع البلاد العربية والإقليمية لا سيما تركيا، وهذه العلاقات الطيبة تساهم بانفتاح لبنان اقتصاديا على هذه البلاد و تشجع العلاقات الثنائية و أيضا التجمعات الاقتصادية التي ممكن أن تؤسس نوات سوق إقليمية مشتركة. يتجه لبنان دوما إلى تنمية و تقوية علاقاته بالجوار وذلك إيمانا منه بان الانفتاح و التضامن بين الأخوة يساعد و يؤسس لتجمعات قوية. والمثل البديهي على هذا الانفتاح تجلى بالعلاقات المميزة التي تتعزز بين لبنان وتركيا.
إن علاقة لبنان بتركيا شهدت قفزة نوعية مؤخرا بعد زيارة دولة رئيس مجلس الوزراء السيد سعد الحريري إليها، حيث تم توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات في مختلف الميادين، ومن بينها إلغاء تأشيرة الدخول بين البلدين حيث اعتبرت خطوة حيوية في اتجاه فتح الآفــاق بين بلدينا، كما هو الحال بين كل من سوريا والأردن ولبنان، ما يعني انه تم فسح المجال أمام أكثر من مئة مليون مواطن للتنقل بين هذه البلدان من دون تأشيرات دخول. وهذا يمهد لمشروع منظومة اقتصادية إقليمية، أو نواة “Schengen” شرق أوسطية تبدأ من المثلث التركي السوري اللبناني.
إن للبنان وتركيا تاريخا مشتركا وعلاقات قوية وتوجهات واحدة. إن تركيا بتاريخها ونظامها الاقتصادي وجغرافيتها لديها دور كبير للعبه في الشرق الأوسط وبين الشرق والغرب، وفي عملية إقامة علاقة أوثق بين مختلف الأطراف. وكلا البلدين مثال للتسامح والاعتدال والانفتاح. إن دفع وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين بلدينا مهم ومفيد لنا جميعا، فتركيا تشكل معبرا للمنتجات ورجال الأعمال اللبنانيين من والى بعض أنحاء أوروبا والدول الأوروبية والآسيوية، فيما يشكل لبنان نقطة ارتكاز بالنسبة للمنتجات ورجال الأعمال الأتراك نحو منطقة الشرق الأوسط والدول العربية وأفريقيا.
إن عملية إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين واتفاقية التجارة الحرة التي ستوقع قريبا في ما بيننا سيكون لهما الآثار الايجابية الهامة في توطيد العلاقات الاقتصادية بين بلدينا. لقد سبق لتركيا أن وقعت اتفاقيات التجارة الحرة مع كل من سوريا وتونس والمغرب والأردن وفلسطين ومصر، وبتوقيع هذه الاتفاقية مع لبنان يكون قد تم تأسيس منطقة التجارة الحرة في منطقة الشرق الأوسط. ومن شأن توقيع هذه الاتفاقية زيادة التبادل التجاري بين البلدين. حيث بلغت قيمة الصادرات اللبنانية إلى تركيا في نهاية العام الماضي 105 مليون دولار فقط، في حين بلغ مجموع قيمة المستوردات اللبنانية من تركيا في العام المذكور حوالي 700 مليون دولار أميركي.
إن لبنان يوجه عناية للقطاع الخاص التركي وكذلك المستثمرين العرب والأجانب. ويشجع مصرف لبنان المصارف والمؤسسات المالية التركية على فتح فروع لها في لبنان. ان تعزيز وتطوير التعاون المصرفي القائم بين كل من لبنان وتركيا في مجالات متعددة منها التأهيل والتدريب وإيجاد نظام مدفوعات مشترك والتعاون على المستوى الرقابي وفي مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب يعتبر أمراً حيوياً لنا جميعاً، فلبنان يشارك بفعالية في نشاطات مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ((MENAFATF والمنظمات الدولية والإقليمية المعنية بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب حيث كان لي شرف إنتخابي كأول رئيس لمنظمة MENAFATFالذي ساهم لبنان في تأسيسها. كما يسهم لبنان مساهمة متميزة في أعمال اللجان التابعة لمجموعة “إغمونت.
إن موقع لبنان الجغرافي الاستراتيجي ونظامه الاقتصادي الليبرالي الحر يجعل من لبنان بيئة جاذبة للاستثمار الخارجي. ولا شك أن سياسة مصرف لبنان الاحترازية والوقائية التي مارسها خلال الخمس عشرة سنة الماضية تحت إشراف حاكمه رياض سلامة، كان لها دور كبير في توطيد الثقة بالاقتصاد اللبناني والقطاع المصرفي فيه، حيث لم يتأثر لبنان بالأزمة المالية كمعظم دول العالم بل تمكن من الاستفادة منها. كذلك إن وجود البيئة المالية الموثوقة واليد العاملة المؤهلة والمنتجة وانعدام القيود على حركة رؤوس الأموال وقانون السرية المصرفية وتوفر نظام ضرائب معتدل يساهم كثيرا في جذب الاستثمارات الخارجية المباشرة والغير مباشرة. كذلك لا بد من الإشارة إلى أن لبنان قد خطى خطوات واسعة على طريق تحديث نظامه الاقتصادي ويشرف على إتمام عملية انضمامه إلى منظمة التجارة العالمية ويسير بخطى حثيثة في عملية إصدار التشريعات التي تستلزمها عملية الانضمام.
النموذج اللبناني
ولا بد من التطرق إلى النموذج اللبناني الذي أرساه مصرف لبنان بقيادة الحاكم الأستاذ رياض سلامة، والذي تمكن من النأي بالقطاع المصرفي اللبناني عن تداعيات الأزمة المالية العالمية بكفاءة قل نظيرها مما مكننا ليس فقط من تخطي هذه الأزمة لا بل الإستفادة منها.
وقد ساعدت السياستان النقدية والمصرفية والهندسات المالية التي انتهجها مصرف لبنان على مدى أكثر من خمسة عشرة سنة على تجنيب البلاد مخاطر العديد من الأزمات المالية والاقتصادية الداخلية والخارجية. فقد اعتبر مصرف لبنان أن التعاميم الاحترازية ضرورية لتعزيز القطاع المصرفي، وان حرية السوق واحترام قواعده لا يتناقضان مع وضع أسس تنظيمية وقائية. لذلك قام بتنظيم تعاطي المصارف بالأدوات المالية المركبة والمشتقة Financial Derivatives وإخضاعها لترخيص مسبق من مصرف لبنان، ومنع المصارف من الاستثمار في الأدوات المالية المرتفعة المخاطر والموثقة برهون عقارية من الدرجة الثانيةSubprimes ووضع سقوفاً للإقراض السكني. كما عمل مصرف لبنان على تحصين رسملة المصارف وترشيد عملها وإبعادها عن الممارسات التي أدت إلى تعثر العديد منها عالميا مع توسع دائرة الأزمة المالية. ويمكن اختصار تعداد أهم عناوين هذا النموذج كالتالي :
- · إرساء نظام نقدي مستقر حيث هدفت السياسة النقدية التي اعتمدت وما تزال إلى تحقيق الاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية والسيطرة على التضخم. فهذا الاستقرار أساسي للحفاظ على الثقة وتحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي وتحفيز الاستثمارات الإنتاجية وتحسين فرص العمل.
- · إرساء نظام مصرفي موثوق بتقيّده الصارم بالمعايير والمواصفات الدولية المصرفية والمحاسبية خصوصاً ما يتعّلق منها بكفاية رأس المال والإدارة الحكيمة والشفافية والربحية والسيولة ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
- · عدم السماح بإفلاس أي مصرف استسهالا لحل المشاكل لان الأمور لن تتوقف عند معاقبة مساهمي المصرف الكبار ومدرائه بل ستتعداها بالحقيقة إلى معاقبة مودعيه والمتعاملين معه والقطاع المصرفي ككل من خلال إضعاف الثقة فيه وقد يمتد الأمر لمعاقبة حتى مؤسسات اقتصادية أخرى.
- · الاقتناع الراسخ بان حماية الاقتصاد والسوق تتطلب أن يكون هناك دائماً رعاية للدولة أو للمؤسسات التنظيمية والرقابية لان الكلام عن اقتصاد حر وسوق متحرر دون تنظيم ورقابة يعني ببساطة الفوضى.
الإيمان بأهمية تمتّع هيئات تنظيم ورقابة الأنشطة المصرفية والمالية بالاستقلالية وضرورة حفظها من تأثير أصحاب المصالح وضغوطات السلطات السياسية المدعوة للإشراف عليها وهذا ما نصّت عليه بشكل صريح وواضح الأسباب الموجبة لقانون النقد والتسليف .





