كلمة السيد برهان كور أغلو

منذ فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات عام 2002 شهدت تركيا عملية تغيير دستوري وقانوني، كما أنها شهدت تطورا نسبيًّا فيما يتعلق بالحريات، أما فيما يتعلق بالشؤون الخارجية فقد تصالحت تركيا مع جميع دول جوارها، كما سعت حكومة العدالة والتنمية إلى إقامة علاقات طيبة مع الدول العربية، كما اتجهت جهود الحكومة التركية إلى تبني موقف فاعل في القضايا الإقليمية ودعم القضية الفلسطينية، ووقفت الحكومة التركية إلى جانب لبنان وفلسطين خلال الحرب الإسرائيلية عليهما. ومنذ منتصف عام 2009 نلاحظ أن العديد من  الصحف والمجلات ذات الأهمية والمصداقية في العالم الغربي بدأت تنشر مقالات وكتابات تتحدث عن أن تركيا تمر في مرحلة انحراف في المحاور، تتلخص بابتعادها عن النظام عبر الأطلسي، وأن تركيا آخذة في الاتجاه نحو الشرق الأوسط وآسيا. بينما أصبحت نظرية “صراع الحضارات” أهم مواضيع النقاش العالمية بعد أحداث 11 من أيلول، وأضحت تركيا تثير انتباه كل الدول من الغرب إلى الشرق، ومن الشمال إلى الجنوب. وقد لا يمر علينا يومٌ واحد منذ خريف 2009 لم نقرأ في عناوين الصحف الأجنبية مقالات بعناوين مختلفة؛ منها: “كيف خَسِرَ الغرب تركيا؟”، “ماذا سيحدُثُ إن تركت تركيا الغرب؟”، “تركيا: لم تعد حليفاً بعد”، “رجوع الأتراك للشرق”، “الرؤية القلقة لتركيا نحو إيران وإسرائيل”، “المعجم التركي الجديد”، ” ناتو خالٍ من تركيا”،” هل تركيا صديقة إيران؟”،” مركز إسلامي بوجهة شرقية”،” خيبة أمل في أوروبا: تركيا وجهت أنظارها للشرق”،” تركيا والشرق الأوسط: النظر باتجاه الشرق والجنوب”.

وليست هذه العناوين المذكورة إلا بعض الأمثلة على ما ورد في عناوين المجلات ومقالات الصحف وتقارير مراكز الفكر المنتشرة في الجغرافيا الغربية من الولايات المتحدة الأمريكية إلى بريطانيا ومن فرنسا إلى ألمانيا، كل هذه المقالات تؤكد على الاهتمام العالمي وخاصة القوي الموجود في كلا ضفتي الأطلسي لوجهة السياسة التركية الخارجية الحالية، وإن كل هذه التحليلات كانت تحتوي على أحكام مسبقة تقتضي أن تركيا وجدت لها موضعاً جديداً، وأنها ابتعدت عن الغرب مدبرةً بوجهها نحو العالم الإسلامي في انحراف تاريخي. وهذا الحكم نابعٌ من إدراك بأن تركيا العهد الجمهوري استبدلت بعض مبادئها الأساسية بـ”العثمانية الجديدة”، وهو إدراك منتشر بين الأوروبيين خصوصاً. والاتجاه التركي الخارجي لم يثر فضول الغرب وحده، بل أثار فضول الأوساط الفكرية والصحفية في الشرق الأوسط أيضاً، وفي الوقت نفسه والشدة نفسها مع الغرب.إن موقف تركيا الجديد يحظى بتقدير وإعجاب معظم كُتّاب الأعمدة. وقراءة بعض عناوين المقالات والزوايا الصحفية المؤثرة في الصحافة العربية والإسلامية كافية لإدراك أن كتّابها يَرون في تركيا ولادة مركز قوة جديد في الشرق الأوسط المترامي الأطراف. ومن هذه العناوين: “هل سيكون هذا القرن في الشرق الأوسط هو القرن التركي؟”،” تركيا رائدة العالم الإسلامي”،” هناك دور لتركيا لتقوم به”،” موازين القوى في الشرق الأوسط تتجه نحو تركيا وإيران”،” تركيا تصبح وسيطاً إقليمياً”،” بإمكان تركيا أن تصبح وسيطاً إقليمياً، وعليها القيام بذلك”،” نحن بحاجة إلى أردوغانات أخرى”،”سطوع نجم تركيا” وأمثال ذلك.

ومن المعلوم أن الزعماء الأتراك الذين يتابعون- وباهتمام- هذا الجدل العالمي حول وجهة السياسة الخارجية التركية، فرئيس الجمهورية مثلا يقول:  إن ما تفعله تركيا واضح. تركيا تتحرك في كل الاتجاهات بكل حذر. تركيا تتجه نحو الشرق في نفس الوقت الذي تتجه في نحو الغرب، نحو الشمال كما نحو الجنوب. باختصار، هي تذهب لكل الاتجاهات”. وذكر أن المسألة الأساسية هي إدراك اتجاه تطوُّرِ قِيَم تركيا، وأن هذا الاتجاه هو اتجاه القيم الديموقراطية، ممثلةً بسيادة الحقوق، واحترام حقوق الإنسان، والشفافية، والمحاسبة، والمساواة بين الرجل والمرأة، وفعالية اقتصاد السوق الحر. كلام الرئيس جول كان إعادة تأييد مُستَتِر لرسالة الاتحاد الأوروبي الذي تحمله تركيا على كاهلها. ولكنه في الوقت نفسه، يَمكن فهم كلامه على أنه موافقةٌ ومُصادقةٌ على ازدياد استقلالية السياسة الخارجية التركية من خلال ازدياد تأثيرها في محيطها القريب.

وهنا وبلا شك، يجب الإشارة إلى دور وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو الذي يوصف بـ”المهندس الأول” للسياسة الخارجية التركية الحديثة، وهو الذي بذل الكثير من الجهد لتوصيف الركيزة الأساسية التي يقوم عليها منهجه، والتي عرفت بـ”صفر من المشاكل مع الجيران” بدلاً من “العُثمانية الجديدة”.

إن تركيا كلاعب جديد في منطقة الشرق الأوسط، هذا التقييم ليس ساري المفعول في منطق المعادلة الإستراتيجية التي تضم الشرق الأوسط ومن حوله باكستان وأفغانستان فقط، بل وفي وكل النظام العالمي الذي يعطي أهمية خاصة لمنطقة المعادلة الإستراتيجية هذه والتي تريد تركيا أن تبرز وتوسع “قوتها الناعمة فيها”. تركيا، بصفتها قوة جديدة صاعدة في منطقة معروفة بأنها من أكثر المناطق اضطراباً سياسياً، تمتلك القوة الكافية لتخريب المعادلة السياسية للشرق الأوسط، والقائمة على قطبين متنافرين: إيران في الشرق وإسرائيل في الغرب.

في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2009، وخلال أسبوع واحد، وقّعت تركيا على 40 اتفاقية مع سوريا، وعلى 48 اتفاقية مع العراق. وخلال زيارة أردوغان الملفتة للأنظار لدمشق في كانون الأول (ديسمبر) 2009، ارتفعت عدد الاتفاقيات الموقعة إلى 51 اتفاقية. وكانت تلك الاتفاقيات متعددة المحتوى، من الأمن إلى المواصلات، ومن البيئة إلى التجارة. هذه الاتفاقيات التي كانت في معظمها اقتصادية وتجارية، شملت رقعة واسعة من أوروبا إلى البصرة، ومن الخليج العربي إلى البحرين، وشملت مشاريع مثل مشروع سكة الحديد المار بالأراضي السورية والأردنية، ومن ثم منطقة الحجاز بمحاذاة البحر الأحمر داخل الأراضي السعودية. بالإضافة إلى ذلك، أحَدُ المشاريع التركية الواعدة مستقبلاً هو مشروع إنشاء أنابيب نقل النفط والغاز الطبيعي في المنطقة المحاذية لها.

الديناميكية التركية احتوت دول شرق البحر الأبيض المتوسط، أراضي بلاد ما بين النهرين القديمة وقلب الشرق الأوسط في نفس الوقت. وهي إحدى النقاط الهامة التي يجب أن لا تغيب عن الأذهان، وبينما يدخل العراق- المحتل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية- تحت التأثير والنفوذ الإيراني، فإن سوريا أصبحت الشريك الأول لإيران في المنطقة. وعلى أنقرة أن تراعي هذه التوازنات. ولتركيا القدرة على إحداث ارتباك واضطراب بالنفوذ الإيراني في المنطقة من خلال تعاملها بـ”القوة الناعمة” دون أن يؤدِّي ذلك إلى حدوث استقطاب بينها وبين جارتها الشرقية. ليس من الممكن القيام برسالة كبيرة من هذا القبيل مع استمرار إقامة علاقات خاصة مع إسرائيل تُؤَدّي بدورها لإزعاج اللاعبين الإقليميين الآخرينَ في المنطقة. لعب دورٍ كهذا لا يكون ممكنا إلا بانسحاب لاعبين إقليميين سُنِّيين في المنطقة من أمثال المملكة العربية السعودية ومصر لملئ الفراغ الناجم حتى يتسنى لتركيا أن تلعبَ دوراً موازِناً لإيران في المنطقة.

في المنطقة التي أصبحت مسرحاً  للمؤامرات السياسية لكل من إيران وإسرائيل بعد الحرب العراقية، قام البعض بترجمة ظهور تركيا بقوتها السياسية والاقتصادية كوسيط نزيه على أنها ( أي تركيا) تبتعد عن الغرب وتقترب من الدول الإسلامية، وهو استنتاج مُوغِلٌ في الخطأ. وإن إلصاق يافطات (بطاقات) “إسلاميين” أو “الإسلاميين الجُدُد” على فرضيات “انحراف المحور” وإظهار هذه الإدعاءات على أنها نابعة من إيديولوجية الحكومة الحالية لتركيا هي في أصلها اتهامات تحمل نوايا أيديولوجية في باطنها.

ويمكن تلخيص أسباب بروز وظهور تركيا على شكل قوة إقليمية مستقلة في الساحة العالمية بأسباب منها:

1-      الإخفاقات التي منيت بها الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد العراق والتفكير المنتشر في المنطقة بأن التأثير الأمريكي تراجع في المنطقة.

2-      غياب الدور الأوروبي أو فشل السياسات الأوروبية في المنطقة التي تعتبرها أوروبا حديقتها الخلفية.

3-      انهيار السيطرة السنية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، وما أدى إليه هذا الاحتلال من اختلال قوة كل من مصر والسعودية في المنطقة، وهما الحليفتان التقليديتان للولايات المتحدة الأمريكية، وتحول المنطقة إلى مسرحٍ أكثر انفتاحاً للنفوذ الشيعي.

4-      نمو الاقتصاد التركي ليصبح الاقتصاد الخامس عشر في العالم والسابع في أوروبا وارتفاع نجمها لتصبح عضواً في مجموع ال G-20.

5-      استمرار عملية التحديث التركية بفضل ارتفاع مستوى أهدافها في الإنضمام للإتحاد الأوروبي. وفي مسيرة التحديث هذه، أثبتت الديمقراطية التركية أنها وصلت لدرجة الحكمة والنضوج التي تقبلت فيها وصول حزب يُدَّعَى أنه ذو أصول إسلامية للحكم.

6-      نجاح حزب العدالة والتنمية في الوصول لقمة الحكم ماراً بمراحل عملية ديمقراطية صنَعَ من تركيا دولة يُقتَدى بها في المجتمعات الاسلامية وبخاصة في الدول العربية، والرأي العام في المنطقة. تركيا بخصوصيتها السياسية، وبمجتمعها الذي يتكون معظم أفراده من المسلمين، قدمت مساهمات إيجابية للنظام العالمي في عالم ما بعد 11 أيلول.

ونخلص للقول بأن تركيا هي البلد الوحيد في الشرق الأوسط برمّته الذي اندمج بالحداثة. فهي الآن تحوز على نظام سياسي ديمقراطي وفعّال، واقتصاد مُنتج، كما أنها اكتشفت توازنات ناجعة بين الدين وبين العلمانية، وبين الإيمان والعلم، والهوية الفردية والجماعية، والقومية وحكم القانون…إلخ. والحال أن أحداً من الدول في المنطقة، من المغرب إلى باكستان، لم ينجح مثلها على هذا النحو. ونستطيع القول بأن مصر والسعودية وإيران ليست المستقبل، لكن تركيا قد تكون. فهي بوصفها دولة سنيّة كبرى لها جذور تاريخية عميقة في المنطقة، مؤهّلة لتشكيل مايمكن أن يكون قرن تركيا في الشرق الأوسط.

وإن الواقع الاقتصادي التركي اليوم دافع رئيس آخر لانفتاح تركيا على الشرق. فهذه الدولة التي باتت تحوز على اقتصاد متنامٍ يقترب سريعاً من رقم التريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي، إذ يتعيّن عليها توفير أسواق قريبة لصادراتها المتنامية، وكذلك الطاقة اللازمة لنموّها. وهي أدركت، بحكم احتكاكها المباشر بالتجربة الأوروبية، بأن المصلحة القومية ترتبط بعمق بالاستقرار وبالأسواق الإقليمية الكبرى. وهكذا، فإن سياستها الخارجية في غضون العقد الماضي سعت بدأب إلى تحقيق الاستقرار والتعاون في كل الاتجاهات.

يمكن فهم وضع تركيا في المسرحين الدولي والإقليمي، على أنها محاولة منها لتكييف نفسها مع عالم المستقبل. ومع إزدياد العوائق التي توضع أمام تركيا للإندماج مع الإتحاد الأوروبي، وكلما نظرت الدول الأوروبية- التي تشكل المحور الأم للاتحاد الأوروبي- لتركيا بإزدراء، عندها يصبح من غير المشروع أبداء  القلق من الانفتاح التركي على كل الاتجاهات.

إن السياسة الخارجية التركية الفعالة والمتعددة الأطراف ليست إختياراً عقلانياً لحزب العدالة والتنمية فقط، بل هو– في الوقت نفسه- هو الدور المنتظر من تركيا في المخيلة العالمية، ولا يمكن القيام بمثل هذا الدور إلا من خلال رؤية عالمية، أكثر إنسانية وأكثر احتياجاً لبعضنا البعض وبشكل متقابل وهي رؤية قائمة على قاعدة من التحالفات الإستراتيجية القوية القادرة على الاستجابة لمتطلبات حلول مشاكل الفوضى العالمية. من وجهة النظر هذه، فإن الدبلوماسية التركية الفعالة تواكب المخيلة العالمية، بل هي في مضمونها (جزء لا يتجزأ منها)، عندها فإن تحقيق  “مجتمع المصالح العالمية المشتركة” سيكون بإمكانه الإجابة على الفوضى العالمية. السياسة الخارجية الاستباقية والمتعددة الأبعاد هي مبادرة عقلانية تُمَكِّنُ تركيا من لعب دور الشريك القوي والاستراتيجي. “العمق الاستراتيجي” لتركيا قائم على الاحتياج العالمي المتقابل ويعتمد على اختياراتها العقلانية التي تقوم بها في الوسط المناسب  مثل حاجتها للقوة الناعمة لإتمام قوتها الجيوسياسية، إقامتها للعلاقات الإقليمية عن طريق الفعالية الدبلوماسية، الديناميكية الاقتصادية، توسيعها لمدى تأثيرها على المستوى العالمي كما المستوى الإقليمي من خلال إنشاء الرابط بين القرب الثقافي والأمن الجيوسياسي. وفي هذا المعنى، فإن الإستباقية وتعدد الأبعاد هما العنصران الأكثر تعريفاً بشخصية السياسة الخارجية التركية في المجتمع البشري المتعولم.

Leave a Reply