كلمة راعي المؤتمر الرئيس نجيب ميقاتي

أصحاب الدولة والمعالي والسعادة،

أعزائي المؤتمرون الكرام  أيها الحضور الكريم,

يسعدني ان ارحب بكم في المؤتمر الدولي الثالث للوسطية ، الذي يحمل في دورته هذه عنوان ” الوسطية ونهج الاستقرار في الشرق الاوسط ” ، شاكرا لكم تلبيتكم الدعوة  ، متمنيا ان يشكل هذا اللقاء مساحة إضافية من النقاش الموضوعي والواقعي . ومما لا شك فيه أن لقاءكم اليوم سيقدم قيمة مضافة على ما وفرته أبحاث المؤتمر الأول للوسطية الذي إستضافته مدينة  طرابلس عام 2008،   وكذلك ما أبرزه المؤتمر الدولي الثاني للوسطية من دور وسائل الاعلام في تعزيز ثقافة الوسطية الذي إنعقد ايضا في مدينة  الفيحاء عام 2009.

مجددا نلتقي اليوم على هذه الارض ، التي كانت ولا تزال ، مكان التقاء الحضارات وتفاعل الافكار والتحسس بمصائر الشعوب ، وقد جئتم أيها  المؤتمرون الكرام  تواجهون موضوعا مهما من جوانبه المختلفة ، تستذكرون من خلاله الماضي وتعاينون الحاضر ، لتطلّوا على المستقبل مقترحين ما  ترونه مناسبا من حلول وروىء لمنطقة كانت ولا تزال على خط الزلازل السياسية .

وليس صعبا على من يتتبع احوالنا في منطقة الشرق الاوسط ، ان يدرك ، من دون كبير عناء ،أن  اهم ما يشغلنا في هذه المرحلة من حياتنا هو الوصول الى السبل الممكنة لحل النزاعات التي تعاني منها دولنا نتيجة الاطماع المتراكمة والتسلط ومحاولة فرض ارادة الغير على ارادتنا وقراراتنا وثوابتنا .

أيها الحضور الكريم ،

لا يختلف اثنان على ان المنطقة العربية  تمر في حالة  عدم إستقرار  بفعل المتغيرات والتحديات ، مما يجعل دولها  تعيش حالا من الصراع الوجودي للدفاع عن استمراريتها ودورها.   ومن البديهي ان يتركز البحث على ضرورة ايجاد الطرق السلمية لمعالجة مشاكلنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بدقة ، مما يفرض اعتماد منهجية علمية وواقعية تكون فيها الحقيقة المرتكز الاساس . وهنا تكمن اهمية المواضيع التي سيناقشها مؤتمركم متصديا للمسائل الحساسة مثل التطرف وصناعة الحروب الدينية ، وضعف الامان  الاقتصادي والاجتماعي  ، فضلا عن واقع القضية الفلسطينية وما آلت اليه ، والوضع في العراق ، من دون ان ننسى لبنان الذي مر باستحقاقات حساسة وخطيرة استطاع  تجاوزها على امل الا تتكرر في ظروف مختلفة . بكلمة واحدة نريد الاستقرار.

أيتها السيدات والسادة ،

لو عدنا بالذاكرة الى القضايا الوجودية التي واجهت دولا وشعوبا في منطقتنا وخارجها ، لوجدنا ان الكثير من المواجهات والحروب كانت تجد نهاية لها من خلال اعتماد حلول وسطية  يلتقي حولها افرقاء النزاعات ، حيث لا منتصر ولا منهزم،  بل توافق يقوم على مفاهيم العدل والاعتدال والتوازن التي تختصرها الوسطية وهي فكر وعقيدة ونهج يشمل كافة مكونات الحياة العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، حيث الانسان هو القيمة الاساسية والمحورية التي يجب العمل على اغنائها وتطويرها .

واذا كنا في لبنان استعدنا السلم  الاهلي والاستقرار الداخلي بعد سنوات من التنابذ وصلت الى حد الاقتتال والانقسام الحاد،    فلأننا سلّمنا كلبنانيين بان الوسطية هي الناظم الحقيقي لمعادلات العيش الواحد وتوازنات الحكم في الدولة ، وهي الضامن الحقيقي للوحدة الوطنية ومقياس لعلاقات لبنان بدول محيطه العربي  والعالم اجمع .

لقد اقتنع الافرقاء في لبنان ان الحق المطلق ليس مع طرف منهم ، وان الخطأ بالمطلق ليس سمة مواقف الطرف الاخر ، فعادت لغة المنطق والاعتدال لتسود في ما بينهم ، فكان اتفاق الطائف الذي طوى حقبة أليمة من تاريخ لبنان ، وارسى صيغة حكم تحفظ ثوابت الكيان وتوازنات الدولة .

ولعل التجربة اللبنانية جديرة بان تكون مثلا يُحتذى في عدد من الدول التي تواجه اوضاعاً مماثلة لتلك التي واجهها لبنان،   او تكون قريبة منها . ويحضرني هنا مثل العراق الشقيق الذي نتطلع جميعا الى ان يستعيد دوره المميز في محيطه العربي وفي المجتمعات الدولية ، فيجد الاخوة العراقيون في القواسم المشتركة الكثيرة التي تجمع في ما بينهم ، الاطار المناسب للحلول التي يرتضونها على قاعدة العدل والمساواة والتوازن ، فينعمون اذذاك ، كما نعِم اللبنانيون من قبلِهم،  بالامن والاستقرار والهناء . وكما شكلت الوسطية قاعدة للتوافق بين اللبنانيين ، هكذا يمكن ان تكون مبادىء الوسطية عنوانا لتلاقي العراقيين في ما يحفظ وحدة بلدهم ارضا وشعبا ومؤسسات ، لاسيما وان الاستحقاق الانتخابي الذي شهده العراق قبل اسابيع ، شكّل استفتاء لافتا لارادة الشعب العراقي الشقيق وتطلعاته.

ولأن الوسطية التي تلتقون اليوم في ظل منتداها ، ايها السادة ،هي صنو للاعتدال وحماية من الجنوح نحو التطرف ، فانها غدت النهج الذي من خلاله نستطيع مواجهة ظاهرة التطرف التي اقتحمت باشكال مختلفة منطقتنا  ، واربكت دولها وانظمتها واحرجت شعوبها .واذا كان ثمة من يرى في التطرف خيارا واسلوب عمل يرتكزان على تعاليم الدين ، فإننا نرى في المقابل ان هذه المقولة لا تستقيم لان الاديان السماوية،  على تعددها ،تأمر بالاعتدال وتنهى عن التزمت وتنادي بالتسامح ، وتدين العنف الذي يستخدم تعاليم الدين لتبرير نفسه .

أيها الحضور الكريم ،

لن تهدأ منطقتنا  ما لم تجد القضية الفلسطينية حلا عادلا وشاملا يعيد الحقوق الى الشعب الفلسطيني ، وفي مقدمها حق قيام الدولة المستقلة في الاراضي الفلسطينية المحتلة التي تحتضن ابناءها في الداخل والشتات .

واذا كنا أكدنا ان الوسطية هي نهج الاستقرار في الشرق الاوسط ، فلأننا نؤمن بان الوسطية ليست حيادا بين سيادة وتبعية،  ولا هي خيار بين احتلال ومقاومة ، بل هي المؤمنة بحق الشعب بسيادته على ارضه ، وبتحريرها بكل الوسائل المتاحة ، لاسيما اذا لم تجد القرارات الدولية التي تحفظ السيادة والعدالة والكرامة والاستقلال وتحرر الارض ، طريقا الى التنفيذ كما هي الحالة اليوم في فلسطين المحتلة في ظل الاعتداءات الاسرائيلية المتمادية على الفلسطينيين وممتلكاتهم ، وعلى الاماكن المقدسة وفي مقدمها المسجد الاقصى وكنيسة القيامة .

أيها الحضور الكريم ،

أمامنا مواضيع عدة للبحث والتحاور في مضامينها ، وانا على ثقة بانكم ستُثرون بمداخلاتكم النقاش حول الوسطية التي هي ، في النتيجة ، الواقعية في السياسة من دون ابتذال ، واليسر في الدين من دون تخلّ ، والعدل ولو بالقول حين يستحيل العمل .واني اذ اتمنى لكم التوفيق في مناقشاتكم للخروج بافكار وخلاصات تعزز خيار الوسطية كنهج للاستقرار في الشرق الاوسط ، يحضرني قول الشاعر الفرنسي الكبير بول فاليري حين يصف غموض القدر وما يخبئه المستقبل للاوطان والشعوب ، اذ يقول : ” يدخل الانسان باب المستقبل مديرا له ظهره “…

ليكن مؤتمرنا اليوم باباً للمستقبل ندخله ونحن نعدو الى الامام بكل ثقة وإيمان بمبادئنا العربية وعزيمتنا لاسعاد شعوبنا…

وفقكم الله وسدد خطاكم ، والسلام عليكم .

Leave a Reply