واصل المؤتمر الدولي الثاني للوسطية في لبنان بعنوان: “دور وسائل الإعلام في تعزيز ثقافة الوسطية” أعماله امس في فندق “كواليتي. ان” في طرابلس، بمشاركة راعيه الرئيس نجيب ميقاتي، وحشد من الشخصيات السياسية ورجال الدين والمفكرين وممثلي وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، وهيئات نقابية وأهلية واقتصادية واجتماعية وتربوية ودينية.
الجلسة الأولى
وكان اليوم الأول من المؤتمر الجمعة شهد جلستين، الأولى بعنوان: “موقع الإعلام في فكر الوسطية”، وترأستها وزيرة الاعلام الاردنية السابقة ليلى عبد الحميد شرف، وتكلم فيها رئيس تحرير جريدة “الأنوار” رفيق خوري على “الموضوعية وشخصنة الإعلام”. وقال: “لا يمكن الحديث عن موضوعية في ظل الأنظمة الشمولية، بعكس الأنظمة الديموقراطية التي يمكن الحديث فيها عن نوع من الموضوعية الإعلامية”. ورأى ان “الإعلاميين جزء من حيوية المجتمع. وإذا فقد الأخير حيويته، فهذا يعني أن الإعلام سيعاني ضيق أفق”.
وتطرق الأستاذ في الجامعة اللبنانية الدكتور ساسين عساف الى “الإعلام وثقافة التغيير”، فحذر من أن “الحرية الإعلامية في الأنظمة الديموقراطية قد تستغل أحيانا لتكون غلافا لما يناقض جوهرها ووظيفتها التغييرية عبر تحكم رأس المال او الإعلان فيها”، معتبرا أن “الإعلام الباحث عن زبائن، أكان تجاريا يتوخى الربح المادي، أم سياسيا يتوخى الكسب الشعبي، هو إعلام فاشل”، داعيا إلى “ارساء بيئة قانونية وثقافية مساعدة كي يتمكن الإعلام من ممارسة دوره في ثقافة التغيير”.
وتناول رمزي النجار “جمهور الوسطية، وحاجاته الفكرية”، معتبرا أن “الوسطية المتحررة من قيود المصطلح الظالم تعاني القاء التهم عليها جزافا، مثل كل المدارس السياسية الأخرى من دون استثناء. لكن ما يميز الهجوم على الوسطية حصرا هو الانطباع المعمم والمسطح الذي تجنح اليه بعض العقول من باب السهولة وما يعرف بعداوة ما نجهل”. وقال: “الوسطية في طرفي اليسار واليمين هي الخلاصة، واذا بلغ الاصطفاف لدينا اليوم مداه الأقصى بين قوى 8 و14 آذار، فالوسطية أيضا وأيضا هي الخلاصة”.
وانهى صاحب جريدة “التمدن” فايز السنكري الجلسة بالحديث عن “دور الإعلام كسلطة رابعة في تعزيز ثقافة الوسطية”. وقال: “على رغم التداعي الكبير الذي أصاب هيكل الدولة في مراحل حرجة عدة، لم يسقط الإعلام الوسطي في فخ اثارة الغرائز، وبقي عصيا على التطويع، وكان عليه أن يمارس دورا رياديا وقياديا على مستوى لبنان والوطن العربي، مستخدما المساحة المتاحة له وان ضاقت”. وشدد على ان “الوسطية لا تعني عدم الانحياز إلى الحق، أخلاقيا وإنسانيا، تجاوبا مع حريات الناس وتطلعاتهم وآمالهم، ولا تعني أيضا تنازلا أو خضوعا أو خنوعا، ومسؤوليتها الحفاظ على السلم الاجتماعي ورفع الظلم والدفاع ضد العدوان والتوعية من الاخطار”.
الجلسة الثانية
وكانت الجلسة الثانية بعنوان “المفاهيم والدلالات المعززة لثقافة الوسطية”، وترأسها رئيس تحرير جريدة “اللواء” صلاح سلام الذي رأى ان “فكر الوسط قادر على التعايش والتفاعل مع ما يحيطه من تنوع ثقافي وديني وحضاري بيسر وايجابية لا تتوافر عند أهل التطرف في طروحاتهم، ولا عند أهل التعصب في ممارساتهم”. واعتبر ان “الثقافة الوسطية تقوم على 3 مفاهيم، الاول الاعتراف بالآخر والقبول به والتعايش معه، والثاني الاعتدال، والثالث عدم التذبذب أو التردد بين موقف آخر. وهي دائما إلى جانب الحق والعدل والخير ضد الشر والباطل والظلم”.
وتناول رئيس تحرير جريدة “التبيان” المصرية عبد الحليم عويس “الأسس والمفاهيم الإعلامية المعززة لثقافة الوسطية”، فقال ان “المنهزم واليائس لا يمكن أن يصنع حضارة أو وسطية”. واذ شدد على “أهمية التيارات الشعبية…”، توقف عند “مهمات التوظيف والتأثير الإعلامي، ومنها تشكيل الوعي والتنشئة الاجتماعية والتبليغ والاتصال الإنساني”، ليخلص الى أن “خصيصة المنهج الإسلامي والإعلام الإسلامي هي خصيصة الوسطية التي تشكل الطريق الواضح الفطري المنقذ لحضارة الإنسان”.
وناقش رئيس تحرير مجلة “الكلمة” السعودية زكي الميلاد “تجدد مفهوم الوسطية في الخطاب الإسلامي المعاصر”، مشيرا الى ارتباطه “بثلاث مسائل متصلة بالاطار الإسلامي المعاصر، الأولى تتعلق بتطور الخطاب المعاصر داخل التيار الإسلامي حول مفهوم الوسطية…، والثانية تتعلق بالتطور الحاصل في مفهوم النظر إلى الوسطية من خلال التخاطب مع الذات، بعدما كان ذلك ينحصر في اطار النظر والتخاطب مع الآخر. اما المسألة الثالثة، فتتعلق بفحص مفهوم الوسطية لتحديده وكشف أبعاده وتبيان معالمه وإزالة ما يشوبه من ضبابية وغموض، وذلك نظرا الى تدافع جهات عدة وانتسابها إلى هذا المفهوم، مما يفرض ضرورة إخضاعه للفحص، كي لا يصبح مجالا للإدعاء من الغير”.
وعالج مساعد عميد كلية الشريعة في الأردن محمد الخطيب “العوامل الإعلامية المعيقة في تعزيز ثقافة الوسطية”، مجملا اياها “بمعوقات رئيسية لا يمكن العمل على نشر الوسطية من دون اجتيازها، ومنها أزمة الهوية واختلال القيم والمعايير في العديد من وسائل الإعلام التي عملت على طمس الهوية وهدم القيم في الكثير مما تبث، ومنها غياب أجندة مدروسة موحدة لوسائل الإعلام واتجاهها لتكون مجرد تابع للاعلام الغربي، ومنها ظاهرة النفاق عند بعض وسائل الإعلام العربية التي اصبحت بوقا للأنظمة أو الأشخاص بشكل يجعلها غير قادرة على القيام بالمهمات الموكلة اليها”.
وتكلم الاستاذ في كلية الشريعة في الأردن هايل عبد الحفيظ على “العوامل الإعلامية المساعدة في تعزيز ثقافة الوسطية”، فاعتبر ان “الإعلام يمارس دورا حيويا في صياغة العقول والرأي العام والتحولات السياسية والاجتماعية، وخصوصا بعد انتشار الفضائيات والإنترنت، علما ان الإعلام يستخدم في الدعوة الإسلامية، مما يجعل الأمة الإسلامية أمة إعلامية في أصلها”. ودعا إلى أن “يكون الإعلام مسؤولا وملتزما ومعبرا عن ثقافة وقيم الأمة والحضارة الإسلامية، وترسيخ المفاهيم الصحيحة للاسلام وتخليصه من الأوهام وتدعيم الثقافة الإسلامية والتزام الضوابط الشعرية، كالدقة في نقل المعلومات والتثبت منها واستخدام الكلمة الطيبة، وان يتصف الإعلام بالإنصاف وعدم التحيز والتوازن”.
واختتم الأستاذ في كلية القانون في قطر عبد الحميد الأنصاري الجلسة بتناول “الخطاب الإعلامي للوسطية: كيف يجب أن يكون؟”، فقال: “نواجه تحديا خارجيا متمثلا في العدو الصهيوني، وتحديا داخليا متمثلا في التخلف”. ودعا إلى “التمييز بين الوسطية كفكر ومبدأ وقيمة من جهة، وبين ممارسات وسلوك وخطاب يروج له في الساحة على أنه خطاب وسطي”، مؤكدا أن “الوسطية هي الرهان المستقبلي والخيار الصائب الذي لا بد من دعمه عبر منهجية وآلية وخطط تعمل على تفعيله عمليا، وتحكم الإطار الديني”.





