أيها الإخوة الأكارم
يسعدني أن أرحب بكم جميعاً باسم جمعية العزم والسعادة الاجتماعية في هذه الندوة الاقتصادية الدولية، الأولى من نوعها في لبنان وفي عالم الوسطية، وموضوعها
دور الوسطية الاقتصادية في التنمية والتطوير الاجتماعي
كما أرحب باسمكم جميعاً بضيوف طرابلس الأعزاء، سعادة الشيخ صالح كامل رئيس الغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة والإخوة الأكارم الباحثين من بنغلادش والسعودية ومصر وتونس ولبنان، كما أخص بالترحيب ضيف الشرف في هذه الندوة معالي الوزير الدكتور جهاد أزعور، إبن الشمال ورجل الإقتصاد والمال والتوازن والإعتدال.
تأتي ندوتنا هذه اليوم، مواصلة لما بدأناه منذ أربعة أشهر في مؤتمر الوسطية الأول تحت عنوان “الوسطية: مشروع الإنسانية الحضاري”.
وقد خصصنا هذه الندوة للموضوع الاقتصادي الأول وهو دور الإقراض في محاربة الفقر، وللارتقاء بالإنسان من الحاجة وحد الكفاف، إلى حد الكفاية وتلبية الحاجات المشبعة وصولاً إلى إشراكه في عملية الإنتاج الوطني، وما يقتضي ذلك من تنمية للموارد البشرية وتأهيل للقدرات.
أيها الأخوة الأكارم
الاقتصاد لغة يعني التوسط في الإنفاق بين الإسراف والتقتير، كما يقول تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾.
وقد توسع مفهوم كلمة الاقتصاد ليشمل جميع جوانب الحياة المعيشية للأفراد والمجتمعات، والنظم والسياسات التي تحكمها والمعادلات التي تسود بينها. وما لقاؤنا اليوم في هذه الندوة إلا لتسليط الضوء على المبادىء والمرتكزات والأهداف التي نسعى إليها من خلال دعوتنا إلى الوسطية الاقتصادية ودورها في التنمية والتطوير الاجتماعي.
أيها الحضور الكرام
إننا نرى أن الوسطية الاقتصادية ترتكز في أساسها على نمو وازدهار الطبقة الوسطى في المجتمع، خصوصاً وأن حجمها، كما يقول الباحثون، يمثل مقدار العدالة الاجتماعية فيه، وهي المؤشر على الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المجتمع، وكلما اتسعت هذه الطبقة وانتشرت كلما ازداد بعده عن الفقر والحرمان، والتطرف والاحتقان.
كما أن الطبقة الوسطى هي الأكثر اهتماماً بالحفاظ على النظام السياسي والتطور الاقتصادي فيه، من خلال تمسكها بالمكتسبات التي تحققها في هذا النظام، وإيمانها بالعمل على تطوير هذه المكتسبات وتنميتها. بالمقابل فإن الطبقات الفقيرة تشكل دائماً القوة الجامحة نحو تغيير النظامين الاقتصادي والسياسي الذي تعيش فيه بسبب الحرمان الذي تعاني منه.
يضاف إلى ذلك أن الطبقة الوسطى هي المحرك الاجتماعي والثقافي للمجتمع، وهي العقل المفكر فيه، الذي يسعى دائماً للحفاظ على مصالح الوطن وتطويره وزيادة معدل المدخول العام في المجتمع، وهي أيضاً الطبقة الأكثر استهلاكاً لإنتاجه الوطني، وبالتالي فهي الرائدة في السعي لتحسين وتطوير الاقتصاد الوطني بكل أبعاده وتشعباته.
لذلك فإن الحكم على نجاح الخطط التنموية يجب أن يشمل في منطلقاته معايير انتشار الطبقة الوسطى وتلبية حاجاتها المشبعة. علماً أن هذه الحاجات تتزايد باستمرار، بسبب التضخم والتطور الاجتماعي الحاصل في المجتمع، فما كان بالأمس من الرفاهيات قد أصبح اليوم من الضرورات. أما إذا كانت المؤشرات تدل على تراجع حجم الطبقة الوسطى وإفقارها وعدم قدرتها على ملاقاة ارتفاع التكاليف المعيشية فإن ذلك يعني أن خللاً اقتصادياً يحدث، ولا بد من معالجته لتحقيق الاستقرار المنشود.
كما أن من مبادئ الوسطية الاقتصادية أنها تدعو إلى التكامل بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، فلا تغليب لأحدهما على الآخر، وهي تنطلق من تنمية الفرد وقدراته إلى تنمية المجتمع واقتصاده. وبالتالي فإنها تعني القدرة على التوازن والتكامل بين تلبية حاجات الفرد ومصلحة المجتمع، للوصول إلى نماء المجتمع وتطوير موارده، والتي تنعكس بدورها إيجاباً لصالح كل فرد في هذا المجتمع، وهكذا دواليك.
لذلك كله، يمكننا القول بأن صياغة السياسة التنموية في المجتمع يجب أن ترتكز عموماً على صناعة الإنسان فيه، وعلى تنمية قدراته أولاً، وأن تتمحور حوله، فهو الانطلاقة وهو الوسيلة والغاية والهدف في آن واحد، ولذلك كان شعارنا في جمعية العزم والسعادة الذي صاغه الشقيقان المؤسسان الأخوان الأستاذ طه والرئيس نجيب ميقاتي «رفاه الإنسان عبر الرعاية والتنمية البشرية” وشعارنا في هذه الندوة “تنمية الإنسان -من أجل الإنسان- بواسطة الإنسان».
أيها الأخوة الأكارم
إن الحاجة لما ندعو إليه اليوم تزداد أهمية أمام ما نشهده من أزمات غذائية واقتصادية تجتاح العالم في جميع أقطاره، وتطال جميع دوله الفقيرة فتزيدها فقراً، والميسورة فتضعف طبقاتها الوسطى. وتتزامن هذه الأزمات وتزداد حدة مع إلغاء الآلاف من فرص العمل والتخلي عن العمالة في أكبر المجمعات الصناعية مثل صناعة الطائرات والسيارات والطاقة والاتصالات وغيرها. أما في الدول النامية فهناك الملايين الذين أصبحوا مهددين بالفعل بالسقوط تحت حد الفقر، ومنهم الكثير من يموت جوعاً ولا يجد ما يسد به رمقه. فهل هذه هي حضارة القرن الواحد والعشرين؟ أما الأزمات المعيشية التي نمر بها في لبنان فهي أشد حدة وضراوة بسبب الأوضاع السياسية المتردية والمتلاحقة التي تضاف إلى الأزمات الاقتصادية العالمية فتجعل الأوضاع مهددة بالوصول إلى ما لا يحمد عقباه.
لقد وضعت الشرائع السماوية حلاً لهذه المعضلات من خلال فريضة الزكاة والصدقات التي حضت عليها الأديان السماوية ودعت إليها، ولقد عمل السلف الصالح على القيام بهذه الفريضة خير قيام، فها هم المسلمون في عصر الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ينفقون زكاة أموالهم على الفقراء والمساكين وطلبة العلم حتى إذا وجدوا أنه لا يوجد في المسلمين فقراء، قالوا: جهزوا الجيش من مال الزكاة، حتى إذا وجدوه جاهزاً، وبقي من مال الزكاة، قالوا: سددوا ديون المسلمين، حتى إذا فعلوا وبقي الكثير، قالوا: سددوا ديون غير المسلمين، وبقي الكثير، فقالوا: زوجوا الشباب بمال الزكاة، فزوجوا وبقي الكثير، فقالوا: اشتروا بما تبقى حبوباً وانثروها على رؤوس الجبال لتأكل الطير من خير المسلمين…
واذا كان لكل زمان ومكان مقال ،فإنه يعجبني في هذا المجال قول ضيفنا الكريم الشيخ صالح كامل: «إن المهمة الأساسية للزكاة هي منع الفقر قبل حصوله وليس حين حدوثه» فهلا عملنا لذلك؟
أشكر لكم حضوركم جميعاً ومشاركتكم، وفقنا الله وإياكم لكل خير،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.





