كلمة دولة الرئيس الأستاذ نجيب ميقاتي

بسم الله الرحمن الرحيم

أصحاب المعالي والسعادة
الأخوات والإخوة ،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

أشعر بالسعادة الغامرة في كل مرة أحضر لقاء يؤسس لمدماك من أسس التنمية والإنتاج، وفيه خير للناس والوطن، ويسعدني هذه المرّة أن أشارك معكم في هذه الندوة الإقتصادية الدولية وأغتنم الفرصة لأرحب بكم جميعا أجمل ترحيب ، أنتم ضيوف مدينة طرابلس الأعزاء الذين لبيتم دعوتنا.

أهلا بكم في طرابلس، المدينة التي تشرفت وعرفت بلقب ” مدينة العلم والعلماء” ، عاصمة لبنان الثانية، والقلعة الحصينة في وجه المؤامرات التي تستهدف النيل من وحدتها ووحدة لبنان عموما. وها هي طرابلس ، على رغم النكبات المتواصلة التي تصيبها ، تقف منتصبة ، أبية شامخة تؤكد أنها ستبقى مدينة الانفتاح والسلام والمحبة والضيافة ، رافضة أن يُستخدم أبناؤها وقوداً لفتنة سياسية أو طائفية أو مذهبية، وأن تتحول دماء أبنائها حبرا داميا لكتابة الرسائل السياسية ، وهذه الندوة رسالة تقول أن رسالة البناء والتنمية وثقافة الحياة أقوى من الهدم والدمار والموت.

أيها الحضور الأكارم،
تنعقد ندوتنا اليوم بدعوة من “منتدى الوسطية في لبنان” بهدف الإستعانة بمفاهيم الوسطية الإقتصادية التي تحمل في طياتها بعدا إستراتيجيا يقوم على خطوط عريضة للتنمية الإقتصادية والتطوير الإجتماعي، وكل ذلك سعيا وراء البحث عن إستراتجية كفيلة بمواجهة التحديات الناتجة عن حالات الفقر والبطالة والتخلف الإجتماعي والتباطؤ الاقتصادي من أجل العبور الى التنمية الإنسانية الصحيحة .

أيها الحضور الكريم
في السنوات الثلاث الأخيرة برز الشأن السياسي والاضطرابات الامنية في لبنان على كل ما عداه من قضايا، وتراجعت المعالجة الإقتصادية لهموم المواطنين المعيشية كأولوية مطلقة ، رغم الزيادة المخيفة في الركود والتضخم والبطالة وتراجع عجلة الانتاج والقدرة الشرائية .

لقاؤنا اليوم ، ليس لعرض واقع لبنان الأليم أمامكم ، بقدر ما يهدف الى الإستعانة بخبراتكم، أنتم الباحثون الرواد في مجال التنمية ومعالجة أوضاع الفقر والبطالة والتأهيل المهني، وخبراء مؤسسات القروض الصغيرة المخصصة للفقراء، والمطلعون على مجالات إستخدام أموال الزكاة في عمليات التنمية وتطوير المجتمع.

كل ذلك مع قناعتي أنه لا يوجد في العالم نموذج تنموي موحّد لا يأخذ في الاعتبار التاثيرات والمعطيات المحلية ، كما أنه لا يوجد نموذج تنموي في قالب جامد لا يتغير. فمن أهداف هذه الندوة إستكشاف طريق تنموي يتأقلم مع الواقع اللبناني ويلبي طموحات اللبنانيين عبر سياسات مالية وتنموية وإستراتيجيات إقتصادية مناسبة وملتصقة بالواقع.

أيها الحضور الكريم

إن الأفكار المطروحة للنقاش في هذه الندوة متنوعة وتغطي كافة الجوانب الإقتصادية والتنموية المطلوبة لمدينة طرابلس ونأمل أن تأتي نتائجها إيجابية وعملية ضمن رؤية تنموية تعتمد على الأبعاد الثلاثة المفترضة لكل خطة إقتصادية :

1- تحليل الواقع بتفاصيله وتجلياته وإنعكاساته .
2- طموحات المستقبل بآفاقه الرحبة ومستجداته ومتطلباته .
3- تطوير الإنسان بوصفه المستهدف بالقرار و ركن التنمية و غايتها ومحورها .

أيها الأخوات والأخوة،

إن إنعقاد هذه الندوة تحت شعار “دور الوسطية الإقتصادية في التنمية و التطوير الإجتماعي” هو تعبير عن بحثنا الدائم عن نماذج وحلول كفيلة بالمساهمة في إخراجنا من المأساة الإقتصادية التي نعاني منها اليوم.
إننا اليوم في طرابلس نشعر بحاجة ماسة إلى تطوير إقتصادياتنا المحلية وإلى خلق بيئة إنمائية تسمح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وأصحاب الحرف والمهن أن تعمل وتنمو وتزدهر. كما إننا نطمح إلى بيئة إقتصادية منفتحة تعمل من خلال معادلة إقتصادية – إجتماعية حديثة تعطي لطرابلس دوراً اقتصاديا مهما في سيرة الوطن يعوضها عن الإهمال المزمن اللاحق بها .
نعم ، نريد دورا جديدا مبتكرا يرفع من مكانة طرابلس ومن مستوى معيشة أهلها وحياتهم ورفاههم
نعم ، نريد أن يأتي هذا الدور مستديما و تكامليا مع محيط مدينة طرابلس لبنانيا وعربيا ..
نريد دورا يستند الى أسس علمية لا إعتباطية وموسمية أو متسرّعة .
نريد دورا يرتبط بمعايير إنمائية واقتصادية تبنى على أساسها التنمية الإجتماعية في طرابلس ومختلف أقضيه الشمال .
من هنا يتوجب علينا أن نرفع الصوت لنقول أن طرابلس ليست بحاجة إلى الإنماء المتوازن وحسب ، بل إلى التنمية المتوازنة الشاملة وذلك عبر إستنباط دور إقتصادي تنموي يجيّش الطاقات الشابة بعد إعدادها وإعادة تأهيلها وتدريبها لكي تصبح طاقة تعطي قيمة مضافة هي الرافعة الاساسية للنمو والتطور وتستفيد من الميزات التفاضلية التي تتمتع بها طرابلس كي يكون لها دورٌ أكبر في صناعة المستقبل الإقتصادي والاستقرار الإجتماعي.

أيها الحفل الكريم
كان بودي أن أقتصر كلمتي على الشان الاقتصادي موضوع ندوتنا ، الا ان الظروف الراهنة التي يعيشها لبنان منذ أعوام ، تقيم ترابطا وثيقا بين السياسة والاقتصاد والامن . فالحياة السياسية لا يمكن أن تنتعش وتتفاعل اذا لم تكن القطاعات الاقتصادية ناشطة وفاعلة . والاقتصاد يصاب بالشلل اذا لم يكن الوضع الامني مستقرا . من هنا كانت دعوتنا دائما الى تكامل يقوم على خيار الوسطية السياسية حفاظا على توازن يحمي الوطن ويحصّن وحدته ويحافظ على فرادته .
إننا نلاحظ ، ويا للاسف ، من حين الى آخر ، جنوحا نحو خيارات تؤذي بلدنا وتشرّع الابواب أمام الرياح العاتية ، ويتصرف البعض وكأن لبنان يجب أن يكون مفصلا على قياسه ووفق تطلعاته في محاولة احتكار لا سابق لها . كما نسمع أحيانا مطالب يستذكرها البعض في أزمان الانتخابات النيابية لكسب اصوات تزيد حصة هذا الطرف أو ذاك وينساها بعد ذلك أو يتناساها.

إن واجب العمل لحماية لبنان يقتضي منا جميعا تجميد كل الخلافات حول القضايا الميثاقية ، ليس لأنها تتطلب تعديلا للدستور لم يحن اوانه بعد فحسب ، بل لأن هذه القضايا تتطلب توافقا وطنيا جامعا لا يحل فيه عدد الاصوات محل الرمزية الوطنية ومفاعيلها التي يفترض أن تكون منطلقا لأي تغيير طوعي نحو الافضل .
إن بلدا مثل لبنان لا يمكن أن ينعم فيه طرف ما بالراحة والامان والطمأنينة ، فيما شريكه في الوطن يعيش قلقا وخوفا ورعبا .
من هنا ، فإن ما نسمعه ونراه في عاصمة شمالنا العزيز يجب أن ينبهنا الى ضرورة العودة الى الاصالة اللبنانية والى روح الميثاق المجسّد لرغبة العيش المشترك الذي ارتضيناه طوعا لا قسرا ، والى ارادة الحياة الديموقراطية ، والى الانماء المتوازن الذي يرفع الظلم والقهر ويحقق العدالة ، والى الوسطية ، في السياسة كما في الاقتصاد . ..
كل ذلك في إطار من التلاحم الضروري في مواجهة المخططات الخطيرة التي عشنا بعض فصولها ونخشى من تكرارها أو اعادة بعثها .
ولعل مؤتمر الحوار الوطني الذي سيدعو اليه رئيس الجمهورية ، يشكل المساحة الطبيعية للتفاهم على كل النقاط المختلف عليها ، من دون أن نسقط دور المؤسسات التي لها في النهاية الكلمة الفصل .

أيها الحفل الكريم
مرة أخرى أرحب بكم أيها الأخوة المشاركون والحضور احباء ومخلصين ، وأخص بالترحيب ضيف الشرف معالي الوزير جهاد ازعور وسعادة الشيخ صالح عبدالله كامل وأتمنى له الشفاء العاجل وأنوه بجهوده في عالم الاقتصاد الاسلامي . كما أنوه بجهود القائمين على منتدى الوسطية في لبنان الذين حضّروا للقائنا هذا بكل جهد وعزيمة رغم الظروف الصعبة التي نمر بها في لبنان عامة وطرابلس خاصة.
أمنيتي أن تكون توصيات ندوتنا هذه أساساً لرؤية مستقبلية منهجية وعملية تقوم على خطة تهدف الى تحقيق التنمية المرجوة و التطوير الإجتماعي لمدينة طرابلس و الشمال على مدار السنوات المقبلة .
وفقنا الله في جميعا إلى ما يحب و يرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Leave a Reply