مؤتمر “دور الإعلام في تعزيز ثقافة الوسطية” في طرابلس

مؤتمر “دور الإعلام في تعزيز ثقافة الوسطية” في طرابلس

ميقاتي ومتري: الاعتدال والواقعية خيار أغلبية اللبنانيين

المستقبل – السبت 21 شباط 2009 – العدد 3226 – شؤون لبنانية – صفحة 7

طرابلس ـ “المستقبل”

رأى الرئيس نجيب ميقاتي “أن تعزيز ثقافة الوسطية هو تعزيز للحرية الإعلامية وحمايتها وصون للديموقراطية التعددية وحفظ للتوازن في الممارسة والتعبير، مما يحد من الشطط الذي يؤدي الى ممارسات سلبية عانينا منها في لبنان خلال الفترة الماضية، وهدرت ميثاق العيش المشترك الذي يعتبر الضامن الحقيقي لوجود الوطن”. وشدد على “أنه إذا كنا ندعو الى تعزيز إعلام المواطنة، فلأننا نرى في إعلام الطوائف والمذاهب خطراً على هذه الطوائف وتلك المذاهب، في بلد مثل لبنان”.

أما وزير الإعلام طارق متري فشدد على “أن الاعتدال الذي ندعو وسائل الإعلام اللبنانية إليه، ليس بأي صورة من الصور تنازلاًَ طوعياً عن بعض الحرية في القول أو الممارسة المهنية وليس إحجاماً عن اتخاذ المواقف ولا مسايرة للجميع أو تجاهلا للاختلاف بينهم أو حياداً في مسائل هذا الاختلاف، بل هو في المقام الأول صنو العقلنة واحترام الآخر والحوار في بلد متنوع يهدد فيه الغلو والتطرف الوحدة والسلم الأهلي والاستقرار”.

وكان الرئيس ميقاتي رعى، في حضور الوزير متري ومشاركته، افتتاح المؤتمر الدولي الثاني للوسطية في لبنان بعنوان “دور وسائل الإعلام في تعزيز ثقافة الوسطية” في فندق “كواليتي إن” في طرابلس. حضر المؤتمر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب روبير غانم، النائب سمير الجسر، العميد سمير الشعراني ممثلاً الوزير محمد الصفدي، الوزير السابق سامي منقارة ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى الوزير السابق عمر مسقاوي، النائب السابق أحمد كرامي، ممثل النائب مصباح الأحدب العميد فضيل أدهمي، منسق تيار المستقبل في الشمال عبد الغني كبارة، المفتي الشيخ طه الصابونجي، نقيب المحامين في الشمال انطوان عيروط، رئيس اتحاد بلديات الفيحاء رشيد جمالي، وحشد كبير فاق الـ600 شخص، من رؤساء التحرير وأصحاب الصحف وممثلي وسائل الإعلام والهيئات وفاعليات شمالية. وقامت بتنظيم المؤتمر “مجموعة الاقتصاد والأعمال”.

بداية كلمة عريف الحفل مقبل ملك ثم كلمة الدكتور عبد الاله ميقاتي باسم منتدى الوسطية في لبنان وفيها: “إن لغة الإعلام الوسطي لغة جامعة، وليست أبداً لغة إجماع، لأنها لغة الحوار الهادئ والنقاش المتّزن، وهي لغة واسعة تحتمل الاختلاف”.

ثم ألقت عضو مجلس الاعيان الأردني ليلى شرف كلمة فقالت: “نحن اليوم بحاجة إلى حركة تنموية نهضوية شاملة لمجتمعاتنا العربية، حركة إصلاحية جذرية متعددة الجوانب قوامها الوسطية في الفكر والعمل وفي التعاطي مع مرجعياتنا الحضارية. من هنا تبدو الحاجة ملحة للعودة إلى إحياء فكر الوسطية في عقول مواطنينا ونفوسهم ونهجاً لمجتمعاتنا وهوية لحضارتنا”.

وقال وزير الإعلام الأسبق في مصر أحمد أبو المجد: “الوسطية هي نهج فكري وعلمي تعالج معضلة لا يتفرد بها عالمنا الإسلامي والعربي، وهي ظاهرة الاحادية والظهور في المواجهات والغلو التي أخذت تشكّل خطراً على مجتمعاتنا “.

وقال النائب غانم: “في ذاكرة لبنان التاريخية الكثير الذي يدل بالأمثلة كما بالبراهين على انّ لبنان يعشق الوسطية ويرتاح إليها ولعلّه من المفيد أن نعود إلى عام 1970 إذ ساهم تكتّل نيابي وسطي بطريقة فعّالة في الإطاحة بمرحلة سياسية طويلة تفككت برمّتها، وبدأت مرحلة جديدة بدءاً من العام ذاته، ونعني تكتّلاً أطلق على نفسه اسم “تكتّل الوسط”، وكان من أركانه الرئيسان الراحلان سليمان فرنجية وصائب سلام والرئيس كامل الأسعد. هذا التكتّل نجح، كما ساهم بفاعلية بفوز رئيس الجمهورية آنذاك بفارق صوت واحد ضدّ منافسه، فإذا بالوسط قد أثبت نفسه مقرراً لتغيير جذري ومثقالاً لقرار رسّخ الديموقراطية وبصوت واحد فقط”.

وتحدث الوزير متري عن إحدى المزيات التي تؤسس ثقافة الوسطية في طرابلس، حيث تحققت “خلال العقود الأخيرة مصالحة بين اللبنانية والعروبة، جاءت بعد عملية تراكمية في السياسة والثقافة، تسارعت في لبنان كله، وتكثفت منذ سنوات قليلة، إثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وأدت النخب السياسية والثقافية قسطاً غير صغير في انضاجها”.

أضاف متري “ان الاعتدال الذي ندعو وسائل الإعلام اللبنانية إليه ليس بأي صورة من الصور تنازلاًَ طوعياً عن بعض الحرية في القول أو الممارسة المهنية. وليس الاعتدال إحجاماً عن اتخاذ المواقف ولا مسايرة للجميع أو تجاهلاً للاختلاف بينهم أو حياداً في مسائل هذا الاختلاف. بل هو في المقام الأول صنو العقلنة واحترام الآخر والحوار في بلد متنوع يهدد فيه الغلو والتطرف الوحدة والسلم الأهلي والاستقرار. والاعتدال موقف معرفي وأخلاقي يحاكي قواعد السلوك المهني في الإعلام التي تقوم على مبادئ تبدو بديهية غير أن بديهيتها لا تقلل من أهميتها. فالاعتدال يقوم على الحق في المعرفة والتعبير عن الآراء المتنوعة ويعطي الأولوية لفهم الوقائع وهي أولوية الخبر على الرأي.
ويقتضي الاعتدال الإحجام عن نشر كل ما يحض على العنف والكراهية بين اللبنانيين، ويدعو الى الانتقام، ويستخدم لغة الشجار والتحقير والإقذاع والإغلاظ والبذاءة والتهكم المسيء الى كرامات الجماعات والأشخاص. ذلك أننا في هذه الأيام، وهنا أقتبس من رسالة الصوم لغبطة البطريرك صفير “لا نسمع إلاّ ألسنة تنطق على هواها وهي تحمل ما لم يألفه اللبنانيون من ذي قبل من كلام مقذع وألفاظ تحقيرية ومفردات تنحدر بالناس الى مصاف الحيوانات. وهذا دليل على انحدار في الأخلاق ونفوس ملأها الحقد وفتكت بها الضغينة، والكتاب المقدس يقول الإنسان الغضوب يثير النزاع”.

ثم ألقى راعي المؤتمر الرئيس ميقاتي كلمة قال فيها: كثرت في الآونة الاخيرة، قراءات وتفسيرات وتعليقات تناولت الوسطية، بعضها من منظار سياسي مرتبط بالاستحقاق الانتخابي المقبل، والبعض من منطلق التمسك بأحادية الرأي والتمثيل، والبعض من موقع التردد والضياع في تحديد الخيارات أو عدم وضوح ماهية الوسطية ومفاهيمها لديه.

وتابع: إن ثقافة الوسطية هي فعل إرادة طوعية ونهج الغالبية التي يطلق عليها البعض تسمية “الأكثرية الصامتة”. من هنا يبرز دور وسائل الإعلام في تعزيز الثقافة الوسطية من دون تشويه الحقيقة أو التحريض الغريزي.

وقال: إذا كان الاعتدال صنو الوسطية في السياسة وفي التعاطي مع القضايا الوطنية، فإن الموضوعية صنو الوسطية في الإعلام، التي تعني أيضاً في مفهومنا، احترام الرأي الآخر من خلال احترام إرادة الرأي العام وخياراته المتعددة، كما تفرض إقران الرأي والموقف بالحجة والدليل والواقعية، وإسقاط التفرد والاحتكار والنهائية التي نلاحظ، ويا للأسف، وجود جنوح اليها لدى بعض الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية. لكني أسارع الى القول بأن الوسطية في الإعلام لا يمكن أن تعني بأي شكل من الأشكال، افتقاد المبادرة والاكتفاء بردات الفعل، كما أنها لا تعني عدم الالتزام بالدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى، أو بحماية أسس الوفاق الوطني، ووحدة الأرض والشعب والمؤسسات، وبقيام سيادة الدولة وغيرها من الثوابت الوطنية التي لا مواقف وسط ممن يحاولون المساس بها أو الإساءة اليها.

أضاف: إننا نرى أن الإعلام الذي يعبّر عن ثقافة الوسطية، هو الذي يسلط الضوء على أهمية المواطنة في المجتمع من دون أن يغفل القيمة المضافة التي تميز لبنان من خلال تعدد طوائفه وثقافاته التي هي مصدر غناه، ودورها الايجابي في تفاعل الحضارات والثقافات التي جعلت من بلدنا وطن الدور والرسالة. لذلك فإننا ندعو الى تعزيز إعلام المواطنة، لأننا نرى في إعلام الطوائف والمذاهب خطراً على هذه الطوائف وتلك المذاهب، في بلد مثل لبنان، لا تستسيغ الغالبية الكبرى من أهله التطرف بل تدعو الى احترام القناعات والخيارات ومناقشتها بالحجج والمنطق والموضوعية.

وقال: إن الخطأ، كل الخطأ، في القول بأن موقف الوسطيين هو “لا موقف”، ذلك أن عدم التزام أحد موقفين متطرفين، هو موقف في حد ذاته، ومن يحكم في صحة هذا الموقف هو الرأي العام الذي يفترض أن تنقل وسائل الإعلام رأيه بحرية وأمانة وتجرد، لا أن تتناوب، عن إدراك أو غير إدراك، في الترويج فقط للموقفين المتطرفين، فتحرم آنذاك مجموعات من الرأي العام من إبراز موقفها الوسطي، وتصادر حرية الإنسان التي نجد في وسائل الإعلام المنبر الأبرز للتعبير عنها.

أضاف: لذا فإن تعزيز ثقافة الوسطية، هو تعزيز للحرية الإعلامية وحمايتها، وهو أيضاً صون الديموقراطية التعددية، وحفظ التوازن في الممارسة والتعبير، مما يحد من الشطط الذي يؤدي إلى ممارسات سلبية عانينا منها في لبنان خلال الفترة الماضية، وهدرت ميثاق العيش المشترك الذي يعتبر الضامن الحقيقي لوجود الوطن.

بعد ذلك بدأت جلسات عمل المؤتمر التي تستمر يومين وتختتم بإذاعة البيان الختامي والتوصيات.

Leave a Reply