يحتاج المرء إلى الكثير من الخيال العلمي ، والكثير من التفاؤل أيضاً ، لكي يرى الشرق الأوسط منطقة مستقرة في المدى المنظور ، وليتوقع انعكاس ذلك على لبنان. قلب العالم القديم، وقوس الأزمات، أو منطقة النزاعات الدولية هذه، يرتبط استقرارها بنشوء نظام دولي جديد يقوم على التعددية والمشاركة ويستوعب بصورة أساسية هذه المرّة دولاً قد لا تكون ذات قوة عسكرية ولكنها تمثّل سلعاً اقتصادية ذات تأثير عالمي كالنفط والغاز. هذا على افتراض أن الصراعات العسكرية والأمنية قد انتهت بتسويات أو حلول سياسية , وفي المقدمة المسألة الفلسطينية ، ومسألة سباق التسلح وبالتحديد أسلحة الدمار الشامل.
قد لا نغالي إذا قلنا ، ودون الذهاب بعيداً في التاريخ ، انه منذ مطلع القرن الماضي وخلال الحربين العالميتين ، كان الشرق الأوسط هو إحدى أهم مناطق التنافس الدولي ، وهو الذي دفع جزءاً مهماً من ثمن التسويات ، في التقاسم الاستعماري أولاً ، وفي الحرب الباردة ثانياً.
ومنذ مطلع هذا القرن الواحد والعشرين هو المسرح الأساسي لتجريب نظام القطب الواحد والسيطرة الأميركية , كما الإخفاق والفشل. فإلى جانب الصراع الدولي الغربي تحديداً الأميركي الأوروبي ، هناك مكونات جديدة في المنطقة ، وفي آسيا عموماً تتشكل كتل ضخمة من المصالح تتفاعل على نحوٍ يجعل الغرب عاجزاً عن تقرير مصير هذه المنطقة كما في القرن الماضي. صحيح أن الصين والهند مثلاً لا تلعبان أدوارا سياسية مباشرة ، لكنهما تؤثران في مسار الأحداث لحفظ التوازن وتأمين مصالحهما . طبعاً تتصدر إيران الواجهة السياسية والأمنية ، لكن تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية وسوريا وإسرائيل دول ناشطة في الحراك السياسي والأمني.
الحديث عن استقرار الشرق الأوسط إذاً هو الحديث عن تبلور نظام إقليمي يجمع هذه المتناقضات ، وقد حاولت الولايات المتحدة الأميركية عمل ذلك وفشلت ، بينما محاولات بناء شرق أوسط ” إسلامي ” أو إعادة تكوين نظام عربي ، من الأمور غير الناضجة من حيث المقومات ومن حيث الإرادة السياسية.
وما تزال إسرائيل ابرز العوائق المعطّلة لتشكيل هذا أو ذاك من النظم الإقليمية، ليس فقط بداعي المسألة الفلسطينية، بل لأن إسرائيل تطمح للعب دور إقليمي مميز أيضاً. هذا يفسر إلى حد بعيد كل التطورات الحاصلة الآن من تعقيد النزاعات الإقليمية ولا سيما الدورين الإيراني والتركي ، رغم تراجع الدور العربي.
رغم كل الأوضاع العربية المزرية، لا يستطيع المشروع الغربي، والمشروع الصهيوني المتناغم معه، أن يفرضا على المنطقة حلاً للمسألة الفلسطينية على نحو ما ترغب إسرائيل، ودوراً إسرائيليا شرعياً في المنطقة.
وتتفرع عن هذه المشكلات الأساسية نزاعات حدودية وأهلية وأزمات سياسية تتعلق بشرعية الدول والأنظمة فضلاً عن التحديات الاجتماعية المتنامية. وهذه العناصر كلها تتفاعل فيما يشبه اختراقات بين الدول وتجاذبات في خياراتها . فلا نستطيع الإحاطة مثلاً بتفاعلات من نوع تصاعد حركات الإسلام السياسي ، ولا التواصل المذهبي بين دولة وأخرى ، ولا طبعاً تبلور الهويات الإثنية وحضورها في أكثر من دولة جرّاء عملية التخلخل في النظام الإقليمي وشعور هذه الجماعات بالغبن والتهميش ، وأحيانا كثيرة بالقمع. ففي الشرق الأوسط موزاييك تكاد لا تخلو منه دولة أو لا يخلو منه مجتمع سياسي.
لكنّ المكونات التاريخية هذه تواجه أنظمة مغلقة على المشاركة وتنزع إلى مركزة السلطة والثروة على فقدان لسياسات التنمية الشاملة. انبعاث الهويات الفئوية وانسداد آفاق التعبير السلمي عنها، وتصاعد الأيديولوجيات الخلاصية، والتحديات الأمنية التي تفرض الأولويات الوجودية تجعل المنطقة كلها واقفة على صفيح ساخن. لكن هذه الصورة السوداوية ليست قدراً محتوماً إذا ما ظهرت صحوة سياسية في بعض مراكز القرار.
المقصود هنا تعديل جدّي في إستراتيجيات الدول الكبرى باتت تفرضه الأزمة المالية العالمية وإعادة التوازنات الاقتصادية على شكل مختلف، وكذلك فشل سياسة الحروب الكبرى. كما المقصود أن ينهض في العالم العربي وضع جديد يستعيد بلورة الأمن القومي العسكري والاقتصادي ويشق طريقه بين الدول الثلاث الإقليمية المتقدمة غير العربية، إسرائيل ،إيران وتركيا.
في كل الأحوال يجب أن نتطلع بصورة خاصة إلى مصر والى حد ما العراق. هاتان الدولتان تحدثان فرقاً كبيراً في توازن المنطقة. استقرار العراق يشكل نقطة تواصل بين الدول المحيطة فضلاً عن انحسار المشاريع المذهبية، بينما عودة مصر إلى دورها العربي النشط يغير التوازن الإقليمي ويعطي النظام العربي مركز استقطاب جديد. ليس هذا في عالم الأمنيات بل هو حاجة وضرورة باتت تحرّض النخب السياسية العربية. من المهم توسيع هذا المناخ بمطالبة النظام الرسمي العربي بشيء من التوازن، وفهم مشكلات المنطقة واتخاذ خيارات تنطلق من المصلحة القومية العليا.
أياً كان رأينا السياسي بالوقائع الحالية وبسياسات الدول والمحاور فلا بد أن نلحظ ونسجل وجود نواة تفكير إقليمي يستقطبه تحد ٍ واحد هو التحدي الإسرائيلي الصهيوني، وهذه النواة تمتد من لبنان إلى إيران مروراً بسوريا وتركيا، رغم تباين المصالح والاتجاهات الأيديولوجية. ربما صار واضحاً سبب النزاع الإسرائيلي الإيراني، لكن دخول تركيا على المعادلة يحتاج إلى فهم دقيق.
يقول أحد أهم مستشارين الرئاسة التركية، أن تركيا تسير مع عقارب الساعة. استدارت تركيا ليس لسبب أيديولوجي، قد يكون هذا مساعداً، لكن السبب الرئيسي إدراك تركيا أن العالم العربي هو المدى الحيوي الاقتصادي والأمني الذي يؤثر فيها أكثر حيث السيولة والسلع الإستراتيجية والأسواق والمنافسة مع المشروع الإسرائيلي. الاقتصاد والاستقرار مصلحة تركية تهددهما إسرائيل خاصة وهي تزعزع وحدة الدول وتحرك الإثنيات و المذهبيات، وتركيا دولة متنوعة تعددية يطاولها مشروع تفكيك المنطقة إلى دويلات. لذا استنفرت تركيا ضد تقسيم العراق وضد العبث بالكيانات الحالية.
وجدد لبنان في دائرة هذا المشروع الذي يتكون في مشرق العالم العربي هو أحد عوامل الاستقرار بمعنيين، الحماية الأمنية والسياسية الإقليمية، والاستقرار الداخلي، فضلاً عن الإفادة من البعد الاقتصادي. وخلافاً لتلك الشائعة عن ” الهلال المذهبي” فإن هذه الدائرة فيها الكثير من التوازن والتنوع والتناغم.
يحتاج لبنان لكي يفيد من استقرار محيطه أن يخفض النزاعات السياسية حول موقعه ودوره الإقليمي. فهو محكوم أصلاً ببعد جغرافي سياسي اقتصادي امني واحد هو الحدود الوحيدة التواصلية مع سوريا. كذلك لا بد من أن يستطيع اللبنانيون أن يحلوا نزاعاتهم السياسية على السلطة ببناء الدولة الحاضنة لجميع بنيها. إذا نجح اللبنانيون في هذا الأمر عبر استكمال تطبيق الدستور والمؤسسات التي يقترحها في أفق بناء دولة لا طائفية، واستخدم لبنان ميزاته التفاضلية المعروفة الطبيعية والبشرية، فإن لبنان سوف يكون رائداً في المساهمة لتحديث المنطقة وتطوير بناها السياسية والثقافية والاقتصادية.
هذا الافتراض قائم على معطيات واقعية حيث الانتشار اللبناني والعمالة في الخليج على سبيل المثال تلعب دوراً مهماً في نهضة تلك الدول وتلبي الكثير من احتياجاتها، ويشكل خفض النزاعات الأمنية إلى تحولات في الأنظمة الاقتصادية المحيطة يستطيع لبنان أن يساهم في تطويرها. وليس على الدولة اللبنانية في هذا المجال إلا تأمين الاستقرار السياسي المبني على عقد وطني واجتماعي يثبت اللبنانيين في أرضهم ويمنحهم تكافؤ الفرص لكي يزيدوا رصيدهم في أثمن رأسمال الذي هو الإنسان واقتصاد المعرفة.
لبنان الذي يشكل مرآة المنطقة ويعكس تناقضاتها ويتأثر بأزماتها إذا صار واعياً لدوره، لمعطياته، لغنى مكوناته، وإذا وجد صيغة لاجتماعه السياسي تنظّم هذا التنوع كما يفترض الدستور، يستطيع أن يؤدي دوراً نموذجياً في المجتمعات العربية. في واقع الأمر إن النخبة السياسية اللبنانية هي المسؤولة عن إحباط المشروع اللبناني الذي تبلورت ملامحه ” اتفاق الطائف” وما يزال ممكناً إذا ما قررت هذه الطبقة السياسية التضحية ببعض امتيازاتها لإنقاذ فكرة الدولة.





