الوسطية :هروب شكلي!!
بعيداً عن مؤتمر الوسطية الذي نظمته جمعية “العزم والسعادة” بنجاح فكري وحضور عالم ومحاور، يرى المفكّر أمين ألبرت الريحاني في إحدى مقابلاته الصحفية ان الوسطية، بشكل عام، هي هروب شكلي. هذا الوصف السلبي من الريحاني لواقع الوسطية إنما ينطلق من مفهوم الالتزام في الحياة. ولكن ألا يعني هذا الالتزام اليوم، قولبة فكرية او سياسية، تعليب وتوضيب حسن المظهر مع تجويف لا يغني ولايسمن؟!.
بعيداً عن التوصيف والترصيف والانتماء لا الانتساب، الى محور، فيما التنبيه العام قائم على التحذير من مخاطر المحاور المحلية والإقليمية وغيرها. في هذا الجو المضطرب والمشحون والرافض والقابل والسالب تأتي الوسطية، لا كهروب شكلي بل كهروب اليها، في رغبة من الغريق بخشبة خلاص تقيه، مع الوطن, خوف الغريق الصارخ :”أنا الغريق وما خوفي من البلل”.
لعل أهمية هذا المؤتمر هو الحراك الذي أحدثه في طرابلس، وهو حراك فكري مطلوب في زمن الجمود على الأصعدة كلها. من هنا ضرورة شحذ العقل في القضايا الأساسية التي تطال حياة الانسان ومشاكله، في استنهاض الطاقات وتفعيل الحوار الهادف الى انشاء منبر ثقافي حرّ، يمكن للمرء فيه ان يقول ما يريد، وأن يسمع الرد في محاورة إبداعية لا تلغي الآخر، والا تسقط في الذاتية التي لا تعيش إلا لنفسها ولا ترى غير نفسها. لقد استمعنا في المؤتمر المذكور الى آراء متعددة وتجارب وخبرات من بقاع جغرافية مختلفة ومناطق بشرية تاريخية متنوعة، يجمعها أمر واحد هو كرامة الانسان وحقه.ورغم جرأة بعض المداخلات للمحاضرين، إلاّ ان بعضهم سقط في الارتجال،غير المحمود، او سقط في تكرار الافكار التي وردت عند هذا المحاضر او ذاك، ما يستدعي ضرورة الكتلبة المسبقة للمداخلات، والسهر على التقيّد بها دون الخروج على النص او ما شابه.
وما لفت الانتباه هو ذلك الغياب للمرأة عن منصة المؤتمر، وان كانت المرأة حاضرة بين المشاركين، وفي المناقشات العامة التي جاءت، والتي دلّت على رغبة المرأة الاكيدة في ان يكون لها الحضور الفاعل في القضايا الأساسية التي تلتفت الى الحياة الانسانية كونها تنتمي الى هذه الكتلة البشرية التي تحتاج الى لمسة امرأة في وضع التصور اللازم الحضاري لبعض المفاصل المستجدة على الواقع الانساني ومواكبة الرقي الاجتماعي.
وما لفت اليه بعض المشاركين هو أهمية مواكبة المداخلات العامة بحلقات بحث أصغر يمكن للمشاركين فيها المناقشة وإبداء الرأي والتعارف. لعل القائمين على مثل هذه المؤتمرات مدعوون الى ان يأخذوا في الإعتبار هذه الملاحظات ليأتي العمل بلياقة وترتيب لم يغيبا عن إدارة مؤتمر الوسطية الدقيقة والمبرمجة. إن طرابلس مدعوة الى ان تعود الى الخريطة الفكرية العربية الثقافية بإبداع أبنائها ومقارعة الفكر بالفكر، ومواجهة الرأي بالرأي، وهذا لا يتم الا بالتدرب والانفتاح والاكثار من تنظيم مؤتمرات رائدة كالمؤتمر المذكور لخدمة طرابلس وتظهير صورتها الحضارية.
الدكتور/ جان عبد الله توما





