الوسطية… الخيارالجامع والمستمر

د. ميقاتي

بقلم د. عبد الإله ميقاتي.

يعيش العالم العربي والإسلامي موجة واسعة من التطرف الفكري، ويتراجع الإقتصاد وتندر فرص العمل، ويزداد الفقر والجهل، والظلم والتعصب. كلُّ هذا ساهم في إنتقال التطرف من الفكر إلى السلوك وساعد على إنتشار العنف والإرهاب بوتيرة متسارعة تقضّ مضاجع العقلاء وأصحاب الشأن، وتهدد الأنظمة والكيانات السياسية.

وبالمقابل، يعمل الباحثون والمفكرون المجدّون على نشر الفكر الوسطي الذي يدعو إلى التوازن والإعتدال، وإلى الحوار بالحسنى، وإلى جمع الشمل، وتكثيف الجهد حول المصلحة الوطنية العليا. فالوسطية تكون في الممارسة والسلوك كما هي في الفكر والثقافة. وهي كما يقول الرئيس نجيب ميقاتي: “فعل إرادة طوعية وليست مناورة لتجنب الإصطفاف أو الإنزلاق في موقع اللالون واللاقرار”. إنها فعل إرادة ينطلق من النفس والذات، بفضل التربية والتهذيب المستمرين. وهي لا تقف عند ظروف آنية، وإن كانت تنطلق دائماً من الواقع، وتتعاطى معه بموضوعية وإيجابية، وتعمل على تغييره نحو الأفضل، لأنها الخيار المستمر. وهي لا تشمل جانباً واحداً من جوانب الحياة، بل هي منهج حياة وصفة للأمّة في كل قطاعاتها. يقول تعالى “وكذلك جعلناكم أمة وسطاً، لتكونوا شهداء على الناس”. (البقرة – 143)

فالوسطية في الدين تحارب الإفراط والتفريط، والغلو والتقصير. فلا وسطية أبداً بين الحق والباطل، أو بين الخير والشر، أو بين الإيمان والكفر… وهي صراط الله المستقيم. كما يقول الله تعالى: “وأن هذا صراطي مستقيماً، فإتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم…” (سورة الأنعام – 153). ولعل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادته، خير دليل عن الوسطية حتى في العبادة. يقول الحديث: إن رهطاً من الصحابة ذهبوا إلى بيوت النبي يسألون أزواجه عن عبادته، فلما أخبروا، كأنهم تقالوها (أي إعتبروها قليلة) ثم قالوا، أين نحن من رسول الله، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم أما أنا فأصوم الدهر فلا أفطر. وقال الثاني، وأنا أقوم الليل فلا أنام. وقال الثالث وأنا أعتزل النساء. فلما بلغ ذلك النبيَّ بيّن لهم خطأهم وعوج طريقهم، وقال لهم: “إنما أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له، ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني” (رواه أنس بن مالك).

والوسطية في السياسة، هي مشروع الدولة العادلة التي تعطي كل ذي حقه، وتضع الرجل المناسب في المكان المناسب، لتكون مؤسسات الدولة في خدمة جميع المواطنين ، بدون إستثناء أو تمييز. كما تدعو جميع المواطنين إلى حب الوطن، ذلك أن حب الوطن من الإيمان، فلا مصلحة تعلو فوق مصلحة الوطن ولا هدف يسمو على إستقراره ونمائه. والوسطية في السياسة، تؤكد على حماية حقوق جميع المواطنين، وحرياتهم، التي لا تتعارض مع حريات الآخرين، كما تؤكد على الجميع القيام بواجباتهم تجاه مجتمعهم ووطنهم.

والوسطية في السياسة تدعو إلى الإجماع حول الثوابت والأصول، كالسيادة، وحق مقاومة العدو، وتؤمن بالتعددية وبحق الإختلاف في المتغيرات والفروع، وتدعو إلى العيش الواحد لجميع المواطنين، وتدعوهم دائماً إلى الحوار بالحسنى، عملاً بالقول المأثور: نعمل معاً في ما إتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً في ما إختلفنا حوله.

والوسطية في الإدارة أيضاً، وهي تدعو إلى الشفافية، وتحارب الفساد الإداري، وتنادي باللامركزية الإداريّة، على أسس علمية وحديثة. وتدعو إلى الإنماء المتوازن في كل المناطق، بدون تمييز عرقي أو تفرقة طائفية أو مذهبية. وهي تحث على الإخلاص والجودة في العمل.

والوسطية في الإقتصاد، تدعو إلى تطوير “مفاهيم الرأسمالية الإجتماعية” القائمة على مبدأ ضمان الحرية الإقتصادية والعدالة الإجتماعية لجميع الناس، مع توفير المتطلبات الأساسية لجميع المواطنين، كالسكن والتعليم والإستشفاء لمن هم في حاجة لها ويعجزون عن تأمينها. وهي التي تسعى إلى تأمين حدود الكفاية لجميع المواطنين، وحاجاتهم المشبعة بإستمرار. وهي التي تعمل على تعزيز دور الطبقة الوسطى في المجتمع، لأنها تشكل عامل إستقرار فيه.

والوسطية في القضاء، لا تعني أبداً موقفاً وسطياً بين الظالم والمظلوم، بل هي العقل الراجح الذي يبحث عن العدالة، وهي “القاضي الذي يستحق كلمة العادل عن جدارة عندما يزن بين الطرفين النقيضين، الصواب، حصراً، حتى يمنحه الله عز وجل قدرة أن يحكم بالعدل فيُصدر حكمه بكل عدالة… فالوسطية هي إبرة الميزان” كما يقول النائب روبير غانم في مؤتمر منتدى الوسطية في لبنان حول “دور وسائل الإعلام في تعزيز ثقافة الوسطية”. وهي ولا شك تؤمن وتحث دوماً على إستقلالية القضاء ونزاهته وتجرده عن الميول والأهواء، السياسية منها والطائفية والمناطقية والحزبية، وتحرص على عدالته، ليكون الملاذ الآمن لكل صاحب حق، والمرتجى لكل مظلوم.

والوسطية في الإعلام، تسعى إلى إيصال الواقع والحقيقة إلى الناس، بدون زيادة أو نقصان. تخاطب العقل والفكر، وترفض مخاطبة الغرائز، كما ترفض نشر الفتنة والإثارة على أنواعها، وتعمل على نشر الفكر الديمقراطي، وتسعى إلى بناء الأفكار والرؤى المرتكزة على إعتدال المقاصد، وجلب المصالح ودرء المفاسد، وهي تمارس الرقابة الذاتية على المعلومات والمعارف وعلى البرامج التي تبثها أو تنشرها. ولا يخفى على أحد أثر الإعلام ودوره في بناء شخصية الإنسان وفي مواقفه وصياغة عقله وتوجهاته وسلوكه.

والوسطية في التربية والتعليم تدعو إلى زرع القيم الحميدة، ومكارم الأخلاق، خصوصاً وأن الفضيلة في السلوك غالباً ما تكون وسطاً بين رذيلتين. وهي في التعليم، تسعى إلى نشر التعليم النشط الذي يربي في الناشئة ملكة التفاعل والحوار العلمي القائم على مقارعة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان والدليل بالدليل. وهي ترفض التعليم التلقيني الذي يزرع في نفس الطالب خاصية الخضوع والإذعان.

فالوسطية هي الخيار الجامع في المجتمعات التعددية، حزبية كانت أو طائفية أو عرقية أو غير ذلك.

يقول المفكر توماس كول، أن التفكير نوعان: تفكير دائري، وهو الذي يدور في حلقة واحدة، وتفكير منفتح يفسح المجال لاستنباط معارف جديدة.

والوسطية هي شكل من أشكال التفكير المنفتح، الذي يفسح المجال لإستنباط المعارف الكونية، التي تشكل الحقيقة العلمية، وتتوسط بين الحلقات والدوائر المتعددة، وتسعى لبناء المستقبل، على أسس من الواقعية والموضوعية، كونها صلة الوصل بين الأصل والعصر، كما بين الأطراف، وهي الوسطية الجامعة، التي تجمع ولا تفرق، تحق الحق حيثما كان، وترفض الباطل بدون تسفيه أو عدوان.

وإذا تخيلنا المجتمع على شكل دائرة يتوزع المتخاصمون فيه، في مجموعات على أطرافها وفي كل مجموعة عدد من الحركات والأحزاب والتيارات، يمكننا أن نرى الوسطية في مركز دائرة المجتمع، على مسافة واحدة من الجميع. وتتمتع بتفكير منفتح في كل الإتجاهات، تُحقُّ ما تراه صائباً وصحيحاً عند هذا الطرف أو ذاك، وتنكر الباطل عندهم بدون تسفية أو ظلم أو طغيان. وهذا هو مضمون معنى الآية الكريمة ” وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس”. فالشهادة على الأطراف المتخاصمة هي بمثابة حكم القاضي الذي يحكم بالعدل بين المتخاصمين. وهي تستوجب التواصل الإيجابي مع الجميع، للوقوف على حقائق الأمور، والمشاركة في تسيير شؤون الدولة، والعيش الواحد تحت سقف الوطن.

وإذا كانت أجواء الخصام بين الأطراف تأخذ الطابع العسكري والأمني فإن طرف الدائرة الأقوى عسكرياً يرجح. أما إذا كانت أجواء الخصام بين الأطراف ضمن مؤسسات الدولة، فإن الأرجحية تكون لطرف الأكثرية في هذه المؤسسات.

أما إذا كان التراشق إعلامياً، فالتأرجح يكون بين الطرفين، بين تصريح وتصريح مضاد وخطاب من هنا ورد من هناك. وإذا كانت الأوضاع تستدعي الحشود الشعبية في الشوارع، فالمبارزة تكون في منطقة لصالح هذا الفريق، وأخرى لذاك الفريق، وهكذا دواليك…

أي أن دائرة المجتمع تكون في عدم استقرار واضح، وتأرجح مستمر. وفي هذه الأجواء الخصامية تنال الوسطية نصيبها من التراشق من كلي الطرفين كونها في الوسط بينهما، فيغيب عن الساحة خطاب العقل، ويحل محل محله خطاب الغريزة الذي يرتكز على العصبية البعيدة كل البعد عن التوازن والإعتدال.

لذلك كان على الوسطية الصمود في وجه العواصف أولاً، وكلما ازدادت مساحتها كلما أثرت إيجاباً في استقرار دائرة المجتمع.

وخير دليل على ذلك هو الوضع الإقتصادي في دائرة المجتمع، حيث يقف على طرفي الدائرة طبقتي الأغنياء والفقراء، كل منها في جانب. وفي الوسط الطبقة الوسطى.

وإذا كانت الطبقة الوسطى، تشكل الأكثرية في المجتمع، كما كان الوضع في لبنان في السيتينات من القرن الماضي (بلغت حوالي 70%). فكان الإستقرار والإزدهار سمة من سمات الوضع الإقتصادي في ذلك الحين. يضاف إلى ذلك، أن الطبقة الوسطى هي الأكثر اهتماماً بإستقرار وتطوير الإقتصاد عموماً، لأنها تريد أن تكرس المكاسب التي حققتها وتحافظ عليها، وترفع من مستواها. بينما تعمل طبقة الفقراء على تغيير الأوضاع، رغبة في الحصول على حدود الكفاية في العيش.

خلاصة القول أن الوسطية ومساحتها في المجتمع هي عامل الاستقرار في الوطن ولذلك فهي الخيار الجامع والمستمر في المجتمعات التعددية، على أكثر من صعيد.


Warning: Illegal string offset 'echo' in /home/wasatiao/public_html/wp-content/themes/hybrid/library/extensions/custom-field-series.php on line 82

Leave a Reply